الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
13
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والخطاب في قوله خَلَقَكُمْ موجّه إلى الذين كفروا ، ففيه التفات من الغيبة إلى الخطاب لقصد التوبيخ . وذكر مادّة ما منه الخلق بقوله : مِنْ طِينٍ لإظهار فساد استدلالهم على إنكار الخلق الثاني ، لأنّهم استبعدوا أن يعاد خلق الإنسان بعد أن صار ترابا . وتكرّرت حكاية ذلك عنهم في القرآن ، فقد اعترفوا بأنّهم يصيرون ترابا بعد الموت ، وهم يعترفون بأنّهم خلقوا من تراب ، لأنّ ذلك مقرّر بين الناس في سائر العصور ، فاستدلّوا على إنكار البعث بما هو جدير بأن يكون استدلالا على إمكان البعث ، لأنّ مصيرهم إلى تراب يقرّب إعادة خلقهم ، إذ صاروا إلى مادة الخلق الأوّل ، فلذلك قال اللّه هنا هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ وقال في آيات الاعتبار بعجيب تكوينه إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ [ الإنسان : 2 ] ، وأمثال ذلك . وهذا القدح في استدلالهم يسمّى في اصطلاح علم الجدل القول بالموجب ، والمنبّه عليه من خطأ استدلالهم يسمّى فساد الوضع . ومعنى خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ أنّه خلق أصل النّاس وهو البشر الأوّل من طين ، فكان كلّ البشر راجعا إلى الخلق من الطين ، فلذلك قال خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ . وقال في موضع آخر إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ [ الإنسان : 2 ] أي الإنسان المتناسل من أصل البشر . و ثُمَّ للترتيب والمهلة عاطفة فعل قَضى على فعل خلق فهو عطف فعل على فعل وليس عطف جملة على جملة . والمهلة هنا باعتبار التوزيع ، أي خلق كلّ فرد من البشر ثم قضى له أجله ، أي استوفاه له ، ف قَضى هنا ليس بمعنى ( قدّر ) لأنّ تقدير الأجل مقارن للخلق أو سابق له وليس متأخّرا عنه ولكن قَضى هنا بمعنى ( أوفى ) أجل كلّ مخلوق كقوله : فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ [ سبأ : 14 ] ، أي أمتناه . ولك أن تجعل ( ثم ) للتراخي الرتبي . وإنّما اختير هنا ما يدلّ على تنهية أجل كلّ مخلوق من طين دون أن يقال : إلى أجل ، لأنّ دلالة تنهية الأجل على إمكان الخلق الثاني ، وهو البعث ، أوضح من دلالة تقدير الأجل ، لأنّ التقدير خفي والذي يعرفه الناس هو انتهاء أجل الحياة ، ولأنّ انتهاء أجل الحياة مقدمة للحياة الثانية .